ابن حجر العسقلاني
429
فتح الباري
صدق بالخير والصلاح ومات على ذلك لقوله في الحديث الصحيح الماضي في الجنائز أنتم شهداء الله في الأرض وان أريد أنه يعلم قطعا لمن شاء الله أن يطلعه على ذلك فهو من جملة الغيب الذي استأثر الله بعلمه وأطلع من شاء ممن ارتضى من رسله عليه وفيه الحث على الاستعاذة بالله تعالى من سوء الخاتمة وقد عمل به جمع جم من السلف وأئمة الخلف وأما ما قال عبد الحق في كتاب العاقبة أن سوء الخاتمة لا يقع لمن استقام باطنه وصلح ظاهره وانما يقع لمن في طويته فساد أو ارتياب ويكثر وقوعه للمصر على الكبائر والمجترئ على العظائم فيهجم عليه الموت بغتة فيصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة فقد يكون ذلك سببا لسوء الخاتمة نسأل الله السلامة فهو محمول على الأكثر الأغلب وفيه أن قدرة الله تعالى لا يوجبها شئ من الأسباب الا بمشيئته فإنه لم يجعل الجماع علة للولد لان الجماع قد يحصل ولا يكون الولد حتى يشاء الله ذلك وفيه أن الشئ الكثيف يحتاج إلى طول الزمان بخلاف اللطيف ولذلك طالت المدة في أطوار الجنين حتى حصل تخليقه بخلاف نفخ الروح ولذلك لما خلق الله الأرض أولا عمد إلى السماء فسواها وترك الأرض لكثافتها بغير فتق ثم فتقتا معا ولما خلق آدم فصوره من الماء والطين تركه مدة ثم نفخ فيه الروح واستدل الداودي بقوله فتدخل النار على أن الخبر خاص بالكفار واحتج بأن الايمان لا يحبطه إلا الكفر وتعقب بأنه ليس في الحديث تعرض للاحباط وحمله على المعنى الأعم أولى فيتناول المؤمن حتى يختم له بعمل الكافر مثلا فيرتد فيموت على ذلك فنستعيذ بالله من ذلك ويتناول المطيع حتى يختم له بعمل العاصي فيموت على ذلك ولا يلزم من اطلاق دخول النار أنه يخلد فيها أبدا بل مجرد الدخول صادق على الطائفتين واستدل له على أنه لا يجب على الله رعاية الأصلح خلافا لمن قال به من المعتزلة لان فيه ان بعض الناس يذهب جميع عمره في طاعة الله ثم يختم له بالكفر والعياذ بالله فيموت على ذلك فيدخل النار فلو كان يجب عليه رعاية الأصلح لم يحبط جميع عمله الصالح بكلمة الكفر التي مات عليها ولا سيما ان طال عمره وقرب موته من كفره واستدل به بعض المعتزلة على أن من عمل عمل أهل النار وجب أن يدخلها لترتب دخولها في الخبر على العمل وترتب الحكم على الشئ يشعر بعليته وأجيب بأنه علامة لا علة والعلامة قد تتخلف سلمنا أنه علة لكنه في حق الكفار وأما العصاة فخرجوا بدليل ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فمن لم يشرك فهو داخل في بالمشيئة واستدل به للأشعري في تجويزه تكليف مالا يطاق لأنه دل على أن الله كلف العباد كلهم بالايمان مع أنه قدر على بعضهم أنه يموت على الكفر وقد قيل إن هذه المسئلة لم يثبت وقوعها الا في الايمان خاصة وما عداه لا توجد دلالة قطعية على وقوعه وأما مطلق الجواز فحاصل وفيه ان الله يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات لتصريح الخبر بأنه يأمر بكتابة أحوال الشخص مفصلة وفيه انه سبحانه مريد لجميع الكائنات بمعنى انه خالقها ومقدرها لا أنه يحبها ويرضاها وفيه ان جميع الخير والشر بتقدير الله تعالى وايجاده وخالف في ذلك القدرية والجبرية فذهبت القدرية إلى أن فعل العبد من قبل نفسه ومنهم من فرق بين الخير والشر فنسب إلى الله الخير ونفى عنه خلق الشر وقيل إنه لا يعرف قائله وإن كان قد اشتهر ذلك وانما هذا رأي المجوس وذهبت الجبرية إلى أن الكل فعل الله وليس للمخلوق فيه تأثير أصلا وتوسط أهل السنة فمنهم من قال أصل الفعل خلقه الله وللعبد قدرة غير مؤشرة في المقدور وأثبت بعضهم أن لها تأثيرا لكنه